أبو حامد الغزالي

43

تهافت الفلاسفة

ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف ، فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودى » . أما مقصود علم الكلام - كما حكى الغزالي - فهو حفظ العقيدة على إنسان نشأ مسلما ، وأخذ عقيدته من الكتاب والسنة ؛ من الشكوك التي تثار حولها ، والطعون التي توجه إليها . أما أن يخلق علم الكلام عقيدة الإسلام في إنسان نشأ خاليا عنها ، غير مؤمن بها ، فهذا ما لم يحاوله علم الكلام ، وما لم يكن من مهمته ، وقد قضت عليه مهمته تلك أن يأخذ مقدماته من هؤلاء الطاعنين المشككين ليؤاخذهم بلوازم مسلماتهم ، وهي مقدمات واهية ضعيفة قال : « وكان أكثر خوضهم - يعنى علماء الكلام - في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم » . هذا هو مقصود علم الكلام ؛ أما مقصود الغزالي فهو إدراك الحقيقة الدينية إدراكا يؤيده العقل ، حتى تكون في درجة العلم الرياضى ، دقة ووضوحا ، وشتان بين المقصدين . لهذا يقول الغزالي مشيرا إلى علم الكلام « وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا ، فلم يكن الكلام في حقي كافيا ، ولا لدائى الذي كنت أشكوه شافيا . . . فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلاف الخلق ، ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيرى ، بل لست أشك في حصوله لطائفة ، لكن حصولا مشوبا بالتقليد في الأمور التي ليست من الأوليات ، والقصد الآن حكاية حالي ، لا الإنكار على من استشفى به ، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء ، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر » . وواضح من هذا أن الغزالي ألف في علم الكلام ، مع اعترافه بأنه غير واف بمقصوده ، وأن ما يحتويه ليس فيه غذاء عقله ، وطلبة نفسه . وهنا يجدر بي أن أزجيها نصيحة خالصة لأولئك الذين يعانون البحث والتفتيش عن آثار العلماء في العصور الحوالى ، فلا يليق بهم أن يسندوا الرأي إلى